محمد جمال الدين القاسمي

148

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وفي هذا ما ذكر عن زين العابدين : إني لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا الأبيات المعروفة ، ذكرها عن زين العابدين ، والغزالي في ( منهاج العابدين ) والديلميّ في كتاب ( التصفية ) وهذا يعقوب صلوات اللّه عليه أمر يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته ، والمعنى واحد ، فلا معنى لإنكار من ينكر ويزعم أن العلم لا يحل كتمه . انتهى . ومقصوده أن خوف شر الأشرار من الصوارف عن الصدع بالحق . قال السيد ابن المرتضى اليمانيّ في ( إيثار الحق ) : مما زاد الحق غموضا وخفاء خوف العارفين ، مع قلتهم ، من علماء السوء ، وسلاطين الجور ، وشياطين الخلق ، مع جواز التقيّة عند ذلك ، بنص القرآن ، وإجماع أهل الإسلام . وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق ، وما برح المحق عدوّا لأكثر الخلق . وذكر رحمه اللّه قبل في الاستدلال على التقية ؛ أنه تعالى أثنى على مؤمن آل فرعون ، مع كتم إيمانه ، وسميت به سورة ( المؤمن ) . وصح أمر عمّار به ، وتقريره عليه ، ونزلت فيه : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] ، وقد صح عن أبي هريرة « 1 » أنه قال في ذلك العصر الأول : حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعاءين ، أما أحدهما فبثثته لكم ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم . قال الغزاليّ في خطبة ( المقصد الأسنى ) : من خالط الخلق جدير بأنه يتحامى . لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 6 ] وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أي مثل ذلك الاصطفاء ، بإراءة هذه الرؤيا العظيمة الشأن ، يصطفيك للنبوة والسيادة وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير المنامات ، وإنما سمي التعبير تأويلا ، لأنه جعل المرئيّ آئلا إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير وراجعا إليه . والأحاديث اسم جمع للحديث ، سميت به الرؤيا لأنها إما حديث ملك أو نفس أو شيطان . وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي بما سيؤول إليه أمرك

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : العلم ، 42 - باب حفظ العلم ، حديث رقم 103 .